عمود البيت… حكايات، مش لقب

شردت للحظات، وكأنني أنظر للمكان للمرة الأولى…
كان هناك شعاع نور ناعم يتسلل فوق الجدران، كأنه حبر سري يكشف حكايات اختبأت لسنوات.
كل شيء في البيت كان يحمل ذكرى؛ صورة، وتابلوه، وسجادة تحفظ أول خطوات طفل صغير، وممر عبرت فيه سنوات العمر من الطفولة إلى الشباب، حتى وصل كل واحد إلى المكان الذي حلم به.
بيت هادئ وأنيق، لكنه لم يكن مجرد جدران. في غرفه ألعاب تحولت إلى كتب، والكتب إلى أحلام، والأحلام إلى إنجازات. وعلى الجدران شهادات وميداليات وصور نجاح، قد لا تعني للغريب شيئًا، لكنها لأهل البيت تختصر سنوات من التعب والانتظار والفخر.
وفي المطبخ، روائح مرتبطة بسنين كاملة، وعلى السفرة كراسي حفظت أماكن أصحابها، وشهدت ضحكات وخلافات ودموعًا وأخبارًا غيّرت شكل الأيام. حتى الأشياء الصغيرة كان لها ذاكرة؛ فنجان قهوة بعد خبر سعيد، صورة أصبحت ذكرى غالية، وهدية بسيطة احتُفظ بها لأنها جاءت من شخص عزيز.
لأن البيت مش حيطان بس… البيت عمر كامل، بيتكتب في التفاصيل اللي محدش بيشوفها.
البيت مركب بتخرج من شاطئ البداية وهي مليانة أحلام، وتدخل بحر الحياة من غير ما تعرف الموج هيكون هادي ولا عاصف. وفي أيام بيعلى الموج، وتتغير الريح، ويكتشف أهل المركب إن الحياة مش رحلة نزهة.
وعشان كده، البيت الحقيقي مش البيت اللي عمره ما دخلته عاصفة… لكنه البيت اللي دخلته عواصف كتير ولسه واقف.
جوه كل بيت حكايات محدش يعرفها غير أهله؛ لحظات فرح، ودموع مخفية، وخلافات انتهت بالتصالح، وأيام صعبة عدّت من غير ما يعرف عنها أحد.
وعشان البيت يفضل واقف، لازم يكون له عمود.
وهنا السؤال: مين عمود البيت؟ الراجل ولا الست؟
يمكن السؤال نفسه غلط.
لأن الإنسان مهما كان قويًا بيتعب. الرجل ممكن يكون عمود البيت في يوم، والمرأة في يوم تاني، وأحيانًا يكون كل واحد فيهم عمودًا للآخر.
الزواج مش مسابقة مين شايل أكتر، ولا مين تعب أكتر. الزواج الحقيقي إنك تعرف إن الشخص اللي جنبك ممكن يكون جبل النهارده، وبكرة يحتاجك تكون أنت الجبل.
تعرف إمتى تتكلم، وإمتى تسكت، إمتى تقول «أنت غلطان»، وإمتى تقول «أنا عارف إنك تعبت». لأن أحيانًا الإنسان مش محتاج حل… محتاج بس يحس إنه مش لوحده.
الشريك الحقيقي مش بس اللي يشاركك المصاريف والأفراح، لكنه اللي يشاركك الخوف، ويعرف يقعد جنبك وقت الحزن من غير ما يطلب منك تشرح، ويفرح لنجاحك من غير ما يشعر إن نجاحك بينقص منه.
أقوى أنواع السند هي اللي ما لهاش جمهور.
وعمود البيت مش بالضرورة الأعلى صوتًا، ولا الأكثر قرارًا، ولا الشخص اللي يقول: «أنا اللي شايل». أحيانًا يكون هو اللي شايل وساكت، واللي يعرف إن مش كل معركة لازم تتاخد، وإن كسب الجدال مش دايمًا معناه كسب العلاقة.
وأحيانًا يكون عمود البيت هو الشخص اللي يقدر يقول: «أنا غلطت.»
لأن البيت مش بيقوى بالكمال… البيت بيقوى بالقدرة على الإصلاح.
الفرق بين بيت وبيت إن فيه بيت كل غلطة فيه بتتحول لشرخ، وبيت تاني يعرف أهله يصلحوا الشرخ قبل ما يبقى انهيار.
وعشان كده، متسألش: مين عمود البيت؟ اسأل: هل كل واحد في البيت مستعد يكون سندًا للآخر؟
لأن أخطر حاجة إن الزوجين يتحولوا من شريكين في مواجهة الحياة لخصمين، كل واحد مستني التاني يتعب الأول. وساعتها المشكلة مش إن العمود وقع… المشكلة إن كل واحد كان فاكر إن العمود لازم يكون هو.
الحياة مش محتاجة بطلًا واحدًا… الحياة محتاجة فريقًا.
والبيت الناجح مش البيت اللي مفيهوش مشاكل، لكنه البيت اللي لما المشكلة تدخل من الباب، تلاقي الزوج والزوجة واقفين جنب بعض، مش ضد بعض.
وعندما تكبر السنين، وتتغير الملامح، وتزيد المسؤوليات، تكتشف إن أجمل ما في البيت مش الأثاث ولا المكان ولا عدد السنين.
أجمل ما فيه إنك بعد كل اللي حصل، تقدر تبص للشخص اللي جنبك وتقول:
«إحنا عدّينا حاجات كتير… ولسه مع بعض.»
يمكن ده هو عمود البيت الحقيقي…
مش الزوج وحده، ومش الزوجة وحدها… لكن إحنا.
لأن البيت اللي يقوم على «أنا» يفضل محتاج يثبت مين الأقوى، أما البيت اللي يقوم على «نحن»، فحتى لما تهتز جدرانه… تفضل روحه واقفة.
فالبيوت لا تسقط عندما يتعب أحد أعمدتها، لكنها تسقط عندما يتوقف أهلها عن إسناد بعضهم.
وفي النهاية…
مش مهم مين عمود البيت.
المهم… لما يميل واحد فيهم، يلاقي التاني واقف.
رانيا سامي
لنا لقاء آخر…



