علوم وثقافة

المراجعة في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نودع “المراجع التقليدي” …. د.رغدة محمد

المراجعة في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نودع “المراجع التقليدي”؟

عرِفت مهنة مراجعة الحسابات تقليدياً بتركيزها الشاق على الفحص التفصيلي للسجلات والدفاتر المالية، لكننا اليوم نعيش لحظة فارقة؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد “صيحة” تقنية، بل أصبح شريكاً يقتحم مكاتب المحاسبة والمراجعة الكبرى، فارضاً واقعاً جديداً يعيد تعريف المهنة من جذورها.

من وجهة نظري، نحن لا نشهد مجرد “تطوير لأدوات العمل”، بل نحن أمام تحول بنيوي في فلسفة الرقابة المالية. فالذكاء الاصطناعي — كما تؤكد الدراسات الميدانية الحديثة — بدأ بالفعل في تولي المهام الروتينية، مثل استخراج البيانات وتصنيفها، مما يحرر المراجع البشري من الأعباء “الميكانيكية”. ولكن، هل هذا يعني أن الآلة ستأخذ مكان الإنسان؟

الثورة الحقيقية: من العينة إلى الشمولية أرى أن أكبر نقلة نوعية في هذا المجال هي الانتقال من “سياسة العينات” إلى “المراجعة الكاملة”. في السابق، كان المراجع يختار عينة عشوائية لفحصها، أما اليوم، فالذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على فحص 100% من العمليات المالية في ثوانٍ. هذا لا يرفع الكفاءة فحسب، بل يمنح المراجع قدرة “تنبؤية”؛ فهو لا يكتشف الخطأ بعد وقوعه فقط، بل يمكنه رصد الأنماط الشاذة التي تسبق عمليات الاحتيال قبل أن تتفاقم.

معضلة “الصندوق الأسود” والمسؤولية المهنية رغم هذا التفاؤل، لا يمكننا كمهنيين إغفال التحديات الجوهرية. إن أكبر مخاوفي تكمن فيما يسمى “الصندوق الأسود”؛ عندما تخرج لنا الآلة نتيجة معينة دون أن نعرف “لماذا” أو “كيف” توصلت إليها. هنا تبرز الفجوة التنظيمية؛ فالمعايير الرقابية الحالية لا تزال قاصرة عن مجاراة هذا الذكاء. كيف يمكن للمراجع أن يثق في نتيجة لا يستطيع تفسيرها بوضوح للعملاء أو للجهات الرقابية؟

علاوة على ذلك، يظل خطر “التحيز الرقمي” قائماً؛ فالذكاء الاصطناعي “ذكي” بقدر البيانات التي يتغذى عليها، وإذا كانت البيانات الأصلية معيبة أو متحيزة، فستكون النتائج مضللة بصبغة تقنية “موثوقة”، وهنا تكمن الخطورة.

مستقبل المراجع: “محلل استراتيجي” لا “جامع بيانات ختاماً، أرى أن المراجع الذي سيصمد في السنوات القادمة ليس هو الأكثر مهارة في العمليات الحسابية التقليدية، بل هو المراجع القادر على “استنطاق البيانات” وتوجيه الأسئلة الصحيحة للآلة. سيتحول دورنا من باحثين عن الأرقام إلى محللين استراتيجيين يقيمون مخرجات الذكاء الاصطناعي بعين ناقدة وفكر أخلاقي وحس مهني لا تملكه الخوارزميات.

إن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المراجع البشري، ولكن المراجع الذي يتقن التعامل مع الذكاء الاصطناعي سيستبدل حتماً ذلك الذي يرفض مواكبة التغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×