إنجيل القدرة لا إنجيل الرخاء …بقلم جوزيف نخلة

تُعد العلاقة بين عمل الله المعجزي وبين واقع المعاناة الإنسانية واحدة من أكثر القضايا اللاهوتية حساسية في العصر الحديث. فبين تيار “التوقفية” الذي يدعي انقطاع المعجزات، وتيار “إنجيل الرخاء” الذي يحصر الإيمان في الرفاهية المادية، يقف الإيمان الكتابي الأصيل ليقدم إنجيل القدرة؛ وهو الإيمان الذي يثق في يد الله الشافية دون أن يتنكر لصليب الألم والاضطهاد.
أولاً: هل انتهى عصر المعجزات؟ (تفنيد نظرية التوقفية)
يستند البعض في ادعائهم بأن المعجزات انتهت مع عصر الرسل إلى تفسير ضيق لنص (1 كورنثوس 13: 10): “وَأَمَّا مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ، فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ”. ويدعون أن “الكامل” هو اكتمال وحي العهد الجديد. إلا أن هذا الطرح يواجه عقبات لاهوتية وسياقية ضخمة:
1. السياق الكتابي لـ “الكامل”
يربط الرسول بولس بوضوح بين “الكامل” وبين رؤية الله وجهًا لوجه والمعرفة الكاملة “كما عُرفنا” (1 كورنثوس 13: 12). هذا الوضع لا يتحقق باقتناء كتاب مطبوع، بل بمجيء المسيح الثاني وانكشاف المجد الأبدي. لذا، فالمواهب الروحية والمعجزات هي “أدوات بناء” تستمر حتى يكتمل البناء بمجيء الرب.
2. المعجزات حق لكل المؤمنين
لم تكن المعجزات في العهد الجديد حكراً على الرسل الاثني عشر. فقد مارسها استفانوس (أعمال 6: 8) ، وفيلبس (أعمال 8: 6) ، ومؤمنون عاديون في الكنائس (1 كورنثوس 12-14). وقد وعد يسوع بوضوح: “وَهذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الـمُؤْمِنِينَ” (مرقس 16: 17)، ولم يقل الرسل فقط. كما أكد أن “الَّذِي يُؤْمِنُ بِي.. يَصْنَعُ هُوَ أَيْضًا الأَعْمَالَ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا” (يوحنا 14: 12).
ثانياً: شهادة التاريخ الحي (صوت الآباء)
لم تعرف الكنيسة في القرون الثلاثة الأولى فكرة “انقطاع المعجزات”. بل كانت الشفاءات وطرد الشياطين أمراً طبيعياً في حياة الجماعة المؤمنة:
- يوستينوس الشهيد (†165م): أكد أن المسيحيين يشفون الممسوسين في كل العالم باسم يسوع المسيح.
- إيرينيئوس (†202م): سجل حدوث نبوات، وشفاء مرضى بوضع الأيدي، بل وحتى إقامة موتى بقوا أحياء لسنوات.
- أوريجانوس (†254م): ذكر أن المسيحيين العاديين -وليس الرسل فقط- لا يزالون يطردون الشياطين ويشفون الأمراض.
- أوغسطينوس (†430م): رغم ميله الأولي لفكرة التوقف، إلا أنه تراجع وسجل أكثر من 70 معجزة موثقة في كنيسته خلال سنتين فقط، شملت شفاء السرطان، والشلل، والعمى، وإقامة ميت .
ثالثاً: لماذا قلّت المعجزات في عصور معينة؟
إن تراجع المعجزات تاريخياً لم يكن بقرار إلهي، بل كان نتيجة تحولات اجتماعية ولاهوتية:
- برودة الإيمان: بعد أن صارت المسيحية دين الإمبراطورية الرسمي، دخل الملايين دون توبة حقيقية، مما أدى لانخفاض الحرارة الروحية. وكما قال ذهبي الفم: “لأن الإيمان قد صار باردًا، انقطعت المعجزات”.
- الانعزال الرهباني: تركزت المعجزات داخل الأديرة مع القديسين المنعزلين بدلاً من الكنائس المحلية.
- العقلانية والفلسفة: تأثر اللاهوت بالمنطق الأرسطي، فصار يُنظر للمعجزة كاستثناء منطقي بارد وليس كحضور حي للروح القدس.
رابعاً: التوازن بين الألم وقوة الشفاء
يخلط الكثيرون بين “قوة الله المعجزية” وبين “إنجيل الرخاء”. لكن الكتاب المقدس يقدم نموذجاً متكاملاً:
1. واقعية المعاناة والاضطهاد
المسيحية لا تعد بالخلو من الضيق. قال يسوع: “فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ” (يوحنا 16: 33). المعاناة لأجل البر جزء أصيل من التلمذة.
2. المرض ليس “صليباً” إلهياً
بينما دعا يسوع لِحمل الصليب (الاضطهاد والإنكار)، إلا أنه لم يقدّم المرض أبداً كمشيئة إلهية يجب الاستسلام لها. بل كان دائماً يشفي ويحرر تعبيراً عن اقتحام ملكوت الله لعالم السقوط. لقد ربط الوحي بين الكفارة والشفاء: “هُوَ أَخَذَ أسْقَامَنَا وَحَمَلَ أمْرَاضَنَا” (متى 8: 17).
خامساً: رفض إنجيل الرفاهية والتمسك بإنجيل القدرة
يجب أن نميز بوضوح بين عمل الله الحقيقي والتعاليم المنحرفة:
| وجه المقارنة | إنجيل الرخاء (المرفوض) | إنجيل القدرة (الكتابي) |
| المقياس | البركة تُقاس بالماديات والغنى | الإيمان يُقاس بالقداسة والتبعية |
| المرض | دليل على ضعف الإيمان | نتاج عالم ساقط يحتاج لرحمة الله |
| الهدف | الرفاهية الشخصية وتحقيق الذات | إعلان مجد الله وامتداد ملكوته |
الخلاصة الختامية
إننا نؤمن بـ إنجيل القدرة؛ الإنجيل الذي يرى في المعجزات امتداداً لطبيعة الله الصالحة وحضور المسيح المستمر وسط كنيسته. نحن نرفض “إنجيل الرخاء” الذي يحول الله إلى خادم لرغبات الإنسان المادية، لكننا نتمسك بحق كل مؤمن في طلب الشفاء والقوة الروحية. المعجزات لم تنتهِ، وقدرة الله لم تحدها العصور، فهي مستمرة لتشجيعنا وسط الآلام، حتى نرى “الكامل” وجهاً لوجه.



