سياسة واقتصاد

أوهام “باكس إيرانيكا ….. د/ محمد المهدي

على غرار المفهوم التاريخي الشهير باكس رومنا

 (السلام الروماني) الذي فرضت روما من خلاله هيمنتها واستقرارها القسري على حوض المتوسط، تداعب أروقة القرار في طهران منذ عقود حلم مُوازٍ يُعرف بصياغة باكس إيرانيكا” (Pax Iranica) أو السلام الإيراني“. حلمٌ تقوم فلسفته المضمرة على بسط مظلة النفوذ الجيوسياسي والثقافي والعسكري الإيراني لتفرض طهران إيقاعها على الإقليم، محوّلةً المشرق العربي وخليجه إلى فضاء حيوي تدور في فلكه عواصم عربية وإقليمية عدة. غير أن قراءة متأنية للواقع المشهود تثبت أن المحاولة الإيرانية لصناعة هذا السلامالمزعوم لا تلد سوى مزيد من الفوضى، وكأن طهران تعيد إنتاج مقولة المؤرخ الروماني تاسيتوس بطريقة مقلوبة: “إنهم يصنعون دماراً ويسمونه نفوذاً“. 

(٢)هندسة النفوذ عبر شقوق الدول

لم تعتمد طهران في سعيها نحو باكس إيرانيكاعلى الأدوات التقليدية للنمو الاقتصادي أو الجاذبية الثقافية والحضارية الناعمة التي تميزت بها الإمبراطوريات الكبرى تاريخياً، بل اتكأت على استراتيجية ملء الفراغواستثمار هشاشة الدول الوطنية. فعلى مدى عقود، تسللت السياسة الإيرانية عبر الشقوق الطائفية والسياسية في دول مثل العراق، سوريا، لبنان، واليمن.

لقد جرى استخدام شبكة معقدة من الفصائل المسلحة والوكلاء الإقليميين كأداة مركزية لفرض معادلة ردع خشنة، تعلو فيها كلمة البندقية الموازية لسلطة الدولة على أي اعتبار سيادي أو تنموي. ولم يكن السلام الإيرانيإن وجد، سوى حالة من إخضاع القرار الإقليمي لهيمنة الحرس الثوري، حيث تُدار الأزمات ولا تُحل، وتُبقى الدول الفاشلة أو شبه الفاشلة رهينةً على أجهزة التنفس الاصطناعي الاستراتيجي.

مفارقة الاقتصاد والشعار الأيديولوجي

يسقط مشروع باكس إيرانيكاحتماً عندما يصطدم بالحائط الاقتصادي والمعيشي. فالإمبراطوريات التي فرضت سلاماً أو استقراراً فيما مضى، غذت ذلك الاستقرار بشرايين التجارة المزدهرة والرفاه الداخلي والجاذبية المعيارية. في المقابل، نجد أن إيران، المبتلاة بأزمات اقتصادية هيكلية وعقوبات خانقة واحتجاجات شعبية متكررة ضد غلاء المعيشة، تنفق مواردها الوطنية الهائلة على تمويل طموحات إقليمية عابرة للحدود وأنشطة عسكرية وبرامج نووية مثيرة للجدل.

هذا التناقض الصارخ بين رفاهية الداخل وشراسة التدخل الخارجى جعل من مشروع “باكس إيرانيكا” عبئاً حتى على الشعب الإيراني نفسه، الذي طالما رفع في تظاهراته شعارات من قبيل “لا غزة لا لبنان، روحي فداء لإيران”، معبراً عن رفضه لتمويل مشاريع توسعية تأتي على حساب لقمة عيشه واستقرار مستقبله.(٣)

التكلفة الإنسانية وتصدير الأزمات

إن أي محاولة لهيمنة إقليمية أحادية الجانب في منطقة شديدة التنوع ك الشرق الأوسط مآلها الفشل العنيف؛ لأنها تتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ والتطلعات المشروعة للشعوب في الاستقلال والسيادة. لقد جلب السعي المحموم نحو باكس إيرانيكامزيداً من التمترس الهوياتي، وأجج النزاعات الصراعية، وأدى إلى تدمير البنى التحتية وتهجير ملايين البشر عبر دحرجة الأزمات من عاصمة عربية إلى أخرى. 

(٤)سراب الإمبراطورية

إن التاريخ يعلمنا أن المشاريع الإمبراطورية المصطنعة التي تُبنى على أنقاض الدول وتستمد بقاءها من استنزاف دماء ومقدرات الشعوب مآلها الانهيار حتماً. إن باكس إيرانيكاليس سوى سراب يراود صانع القرار في طهران، كلما اقترب منه وجد رماداً ودماراً. فالاستقرار الحقيقي في المنطقة لن يتحقق أبداً عبر محاولات الهيمنة الفارسية أو أي هيمنة إقليمية أخرى، بل بتبني قواعد الجوار الحسن، والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وبناء شراكات اقتصادية حقيقية تُعلي من شأن الإنسان والتنمية، لا من شأن الميليشيات والحروب الوكيلة.

(٥)خيار المستقبل

إن الصراع الدائر اليوم في الشرق الأوسط ليس سوى معركة بين خيارين لا مفر من أحدهما: خيار أوهام الإمبراطوريات الهدمية التي تسعى لخلق سلام مزيفعلى أنقاض الدول، وخيار التنمية الاقتصادية الرصينة التي تؤمن بأن السلام الحقيقي يُبنى على الشراكة، والعدالة التنموية، وازدهار الأسواق. ولن يصح إلا الصحيح؛ فمشاريع الخراب مآلها الزوال، بينما وحدها المشاريع البانية للإنسان والاقتصاد هي التي ترسم حدود المستقبل المشرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×