سياسة واقتصاد

حين انتصر القانون للطبيب.. وجاء ضامنًا لحقوق المريض بقلم/ المستشار ممدوح الشاذلي

المستشار ممدوح الشاذلي
الوكيل العام بالنيابة الادارية

ليس كل تشريع جديد يُعد إضافة حقيقية، فبعض القوانين تكتفي بتعديل النصوص، بينما تصنع قوانين أخرى تحولًا في الفكر والفلسفة، ومن هذا النوع يأتي قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض رقم (13) لسنة 2025، الذي يمثل علامة فارقة في تاريخ التشريع الصحي المصري، بعدما نجح في إعادة صياغة العلاقة بين الطبيب والمريض على أسس أكثر عدلًا وإنصافًا.

وعلى مدار عقود طويلة، ظل الطبيب المصري يمارس رسالته النبيلة تحت هاجس الملاحقة الجنائية، حتى أصبح الخوف من قاعات المحاكم يزاحم واجبه في غرف العمليات، فظهر ما يعرف عالميًا بـ “الطب الدفاعي”، حيث يتجنب بعض الأطباء الحالات الحرجة أو يبالغون في طلب الفحوصات والإجراءات، ليس لضرورات العلاج، وإنما اتقاءً للمساءلة القانونية، وكانت النتيجة ارتفاع تكلفة الخدمة الصحية، وتراجع الثقة، وإرهاق المنظومة الطبية بأكملها.

أما اليوم، فقد جاء القانون الجديد ليعلن بداية مرحلة مختلفة، قوامها أن الطبيب لا يُعامل كمجرم لمجرد وقوع خطأ مهني غير مقصود، وإنما يُحاسب وفق طبيعة الخطأ ودرجته، مع قصر العقوبات السالبة للحرية على حالات الإهمال الجسيم والانحراف الواضح عن أصول المهنة وفق التقارير الفنية.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا التشريع؛ فهو لم يُنشأ لحماية الأطباء على حساب المرضى – كما يروج البعض – بل جاء ليحمي الطرفين معًا، فهو يمنح الطبيب الأمان الوظيفي الذي يساعده على اتخاذ القرار الطبي بثقة واللازم للإبداع، ويمنح المريض في المقابل حقًا أصيلًا في التعويض العادل والسريع حال ثبوت وقوع ضرر عادٍ يقبل التعويض، وحقه في اللجوء إلى القضاء حال جسامة الخطأ.

ولعل من أبرز ما يميز القانون استحداث اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، باعتبارها المرجعية الفنية المختصة في تقييم الوقائع الطبية، بما يمنع إصدار الأحكام على أسس غير علمية، ويضمن أن تكون الحقيقة الطبية هي المدخل الصحيح للحقيقة القانونية، وهي فلسفة حديثة من المشرع قوامها إعلاء مبدأ التخصص الطبي حال تحديد مسؤولية الأطباء.

كما أن إنشاء صندوق التعويض عن مخاطر المسؤولية الطبية يمثل خطوة حضارية طال انتظارها، إذ ينقل فلسفة العدالة من مجرد توقيع العقوبة إلى جبر الضرر، فيحصل المريض على حقه بصورة أكثر سرعة وفاعلية، دون أن تتعرض المنشآت الطبية أو الأطباء لانهيارات مالية تعطل استمرار الخدمة الصحية.

أثر اقتصادي يتجاوز حدود المستشفيات:
ولا تتوقف آثار هذا القانون عند حدود العلاقة بين الطبيب والمريض، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني؛ فكل مستثمر يبحث أولًا عن بيئة قانونية مستقرة، وكل مؤسسة طبية عالمية تضع التشريعات المنظمة للمسؤولية المهنية ضمن أهم معايير الاستثمار، ومن ثم فإن وجود قانون حديث ومتوازن يعزز من قدرة مصر على جذب الاستثمارات الصحية، ودعم السياحة العلاجية، ورفع تنافسية القطاع الطبي إقليميًا ودوليًا، بما يسهم في تحقيق رؤية مصر 2030.

لقد أثبتت التجارب أن المنظومات الصحية الناجحة لا تقوم على العقاب وحده، وإنما على تحقيق التوازن بين المحاسبة والحماية، وبين العدالة والطمأنينة، وهذا ما سعى إليه القانون الجديد، الذي لم ينحز للطبيب على حساب المريض، ولم ينتصر للمريض بإهدار كرامة الطبيب، وإنما انتصر للعدالة ذاتها.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح هذا التشريع لن يقاس بمجرد صدوره، وإنما بحسن تطبيقه، وسرعة إصدار لائحته التنفيذية، ونشر ثقافته بين الأطباء والقضاة وأعضاء جهات التحقيق المختلفة، حتى تتحول نصوصه إلى واقع ينعكس على جودة الخدمات الصحية وثقة المجتمع في منظومته العلاجية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرؤية تستند إلى دراسة علمية بعنوان «تحول فلسفة المسؤولية الطبية في مصر وأثره على جودة الخدمات واستدامة النمو»، قُدمت ضمن أعمال المؤتمر الدولي السنوي الخامس والعشرين بكلية الحقوق – جامعة المنصورة، والذي ناقش الإشكاليات القانونية والاقتصادية للقطاع الطبي، وانتهت الدراسة إلى أن القانون يمثل نقلة تشريعية مهمة في تحقيق التوازن بين حماية الأطباء، وصون حقوق المرضى، ودعم الاستثمار في القطاع الصحي، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×