منوعات وفنون

بر الأبناء.. واجب وتكليف ورسالة .. .. المستشارة شيماء سحاب

كثيرٌ منا عندما يطرق سمعه مصطلح “بر الأبناء”، ينصرف ذهنه تلقائياً إلى توفير المادة، من مالٍ وطعامٍ وشراب. بيدَ أن ثمة برّاً آخر لا يقل وجوباً وفرضية على الآباء، يكمن في عمق الاهتمام، والرعاية، وبسط ظلال الحب والاحتواء للأولاد. فالمال وحده، أو الإنفاق المادي الجاف دون متابعة حثيثة ورعاية واعية من جانب الآباء، يعجز تماماً عن تنشئة طفل تنشئة سويّة، والأمثلة المعاصرة في مجتمعنا كثيرة ومؤلمة، وكلها تدق ناقوس الخطر.

إن الإهمال العاطفي يؤدي بالضرورة إلى عواقب نفسية وسلوكية وخيمة، تتراوح بين ضعف الثقة بالنفس والانحراف السلوكي. والأب -الذي وصفه الحديث الشريف بالراعي والمسؤول عن رعيته- يُحاسب أخلاقياً ودينياً وقانونياً على هذا التقصير. لذا، فإن متابعة الوالد لأطفاله في أفعالهم، ودراستهم، وشؤون حياتهم كافة في مرحلة التنشئة والتربية، أمرٌ جوهري يقي الأسرة غوائل مشكلات لا تُعد ولا تُحصى، مشكلات قد تتفاقم مع الوقت حتى يستعصي حلها أو تخرج عن حدود السيطرة.

ونؤكد هنا أن الاهتمام المعنوي ينبغي أن يكون مساوياً للاحتياج المادي بل مقدماً عليه؛ فالإنسان جسد وروح؛ وللجسد متطلباته ليكون صحيحاً معافى من الأمراض، وللروح كذلك متطلباتها لتكون النفس سويّة، صالحة في ذاتها ومصلحة في محيطها الإنساني. وحين يظن الأب أنه قد استبرأ لدينه وعرضه بمجرد توفير سبل الراحة والرفاهية لأولاده، فإنه يغالط نفسه ويجافي قيم دينه؛ فربما استحال هذا الترف وتلك الرفاهية إلى معول هدم يفسد الأولاد، ما لم يكونوا قد رُبوا أولاً على الدين الحنيف والخلق القويم.

إن المال في يد النفوس غير السويّة يتحول إلى نقمة محققة، فكيف إذا منحناه للأطفال بلا رقابة أو توجيه؟! النتيجة الحتمية بلا ريب هي إفساد أخلاقهم، وإضعاف قدرتهم على تحمل المسؤولية، وبالتالي إضاعة مستقبل العائلة بأيدينا، فمن نغرس فيهم السلوك اليوم هم رجال الغد وصنّاع المستقبل.

إن الانصراف التام لجمع الأموال، والانشغال بمشكلات الحياة، وترك الأولاد وحدهم في مواجهة مغريات العصر، وشباك الفضاء الإلكتروني (منصات التواصل الاجتماعي)، وأصدقاء السوء دون احتواء وتوجيه، يُعد في ميزان الشرع والقانون وعلم النفس صنفاً خطيراً من أصناف “العقوق العكسي”!

احضنوا أولادكم بالحنان، والقدوة الصالحة الناطقة بالأفعال لا بمجرد الكلام؛ فقديماً قيل: “من شابه أباه فما ظلم”.

واحذر أيها الوالد أن تورث في بنيك فلسفة مادية تجعل من المال وحده أسلوباً للتربية وبديلاً عن القيم، لأنك بذلك تصنع منه نسخة كربونية تفعل مثلك تماماً عندما تكبر وتتزوج. وإذا فعل، فتوقع بيقين أنه سيعاملك وقت كبرك واحتياجك له بمثل ما تعاملت به معه وقت صغره واحتياجه إليك؛ سيدخلك دور المسنين، ويغدق عليك من أموالك باحتياجات جسدك، لكنه سيبخل عليك برؤية وجهه، ولن يمنحك عاطفة الابن نحو أبيه، وينطبق عليك حينئذٍ القانون الإلهي الصارم والمثل العربي العظيم: «كما تدين تدان».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×