منوعات وفنون

كيف يتحول جرح الطفولة إلى صمت، تعلّق، واعتذار دائم عن المشاعر؟

بقلم: Nayla Janho

«”آسف إذا عم أزعجك.”
“ما بدي أتقل عليك.”
“يمكن أنا عم أكبر الموضوع.”
“انسَ… ما في شي.”»

قد تبدو هذه العبارات عادية، أو حتى علامة على اللطف والاحترام.
لكن ماذا لو لم تكن كذلك؟
ماذا لو كانت هذه العبارات تكشف عن جرح أعمق بكثير؟

ماذا لو كان الإنسان لا يعتذر عن كلماته، بل يعتذر عن احتياجه نفسه؟

عندما يصبح التعبير عن المشاعر خطرًا
لانهم يعانون من نقص في الأمان.
لأن الإنسان يتعلم أن التعبير عن الألم، أو الاحتياج، أو الضعف، قد يؤدي إلى:

  • الرفض،
  • أو التجاهل،
  • أو الخجل،
  • أو فقدان الاتصال العاطفي،
  • أو الشعور بأنه أصبح عبئًا على الآخرين.

وفي لحظة ما، يتخذ قرارًا داخليًا عميقًا:
«”الأفضل ألا أحتاج.”
“الأفضل ألا أتكلم.”
“الأفضل ألا أتعب أحدًا.”»
وهكذا، لا يختفي الألم.

بل يختفي الشخص نفسه.

ماذا يحدث داخل الدماغ والجهاز العصبي؟
من منظور علم الأعصاب، لا يقوم الدماغ بتخزين الأحداث فقط، بل يخزن أيضًا المعنى العاطفي المرتبط بها.

وعندما يتعلم الجهاز العصبي أن التعبير عن المشاعر يرتبط بالخطر أو الرفض، فإنه يبدأ ببناء أنماط حماية تهدف إلى البقاء، وليس إلى التواصل.

ولهذا، عندما يشعر الإنسان بعدم الأمان في العلاقات، قد تظهر استجابات مختلفة، مثل:

  • التعلّق المفرط،
  • الحاجة المستمرة إلى الطمأنة،
  • الانسحاب والصمت،
  • أو حتى اللوم والغضب.

ليس لأن هذا الشخص لا يعرف كيف يحب.
بل لأن جهازه العصبي ما زال يحاول أن يمنعه من اختبار ألم قديم لم يُشفَ بعد.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
فالإنسان لا يتصرف دائمًا بحسب ما هو صحي.

بل غالبًا بحسب ما هو مألوف.

لذلك نحن نختار أحيانًا الأشخاص الذين يجرحوننا
لاننا ننجذب إلى ما يشبه جراحنا القديمة.
ولهذا نختار:

  • أشخاصًا غير متاحين عاطفيًا،
  • أو أشخاصًا يجعلوننا نسعى باستمرار لنيل القبول،
  • أو علاقات نحتاج فيها إلى إثبات قيمتنا.

ليس لأننا نبحث عن الألم.

بل لأن جهازنا العصبي يخلط بين “المألوف” و”الآمن”.

ماذا يكشف الشفاء الداخلي والـ NLP؟

في البرمجة اللغوية العصبية، لا ننظر فقط إلى السلوك.
بل نبحث عن الاعتقاد الذي بُني نتيجة الألم.
وراء كثير من أنماط التعلّق والخوف من التعبير عن المشاعر، نجد معتقدات عميقة مثل:
«”مشاعري عبء.”
“إذا احتجت، سأُرفض.”
“إذا قلت الحقيقة، سأفقد الحب.”
“عليّ أن أستحق الاهتمام.”»
هذه المعتقدات لا تبقى أفكارًا.

بل تتحول إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها نفسه، والآخرين، والعلاقات.

أين يبدأ الشفاء الحقيقي؟
الشفاء لا يبدأ عندما نتعلم كيف نتواصل بشكل أفضل.
ولا يبدأ فقط عندما نفهم طفولتنا.

بل في الأكاذيب التي زرعتها التجارب داخلنا، وجعلتنا نبحث عن الأمان في أماكن لا تستطيع أن تعطيه.

وعندما تصبح علاقتنا بالله علاقة حقيقية، وليست مجرد معرفة أو ممارسة دينية، يبدأ بكشف ما لم نكن قادرين على رؤيته.

يكشف:
«لماذا خفنا.
ولماذا تعلقنا.
ولماذا صمتنا.

ولماذا اخترنا أحيانًا أشخاصًا يشبهون جراحنا أكثر مما يشبهون دعوتنا.»

عندما يشفي الله ما لم يستطع أحد أن يراه
ويكشف ان قيمتنا لا تعتمد على قبول الآخرين.

و يبدأ هذا الإدراك بالنزول من العقل إلى القلب، يحدث شيء عميق:

🧠 يبدأ الجهاز العصبي بالتعلم أن الأمان ممكن.
وتبدأ الأكاذيب التي عشناها بالانكشاف.
وتبدأ الهوية التي وضعها الله فينا بالظهور.

وعندها، لا نعود نبحث عن شخص يسد فراغًا لم يُشفَ.
ولا نعود نختار من يؤكد جراحنا القديمة.

بل نبدأ باختيار ما يتوافق مع هويتنا الجديدة.

الشفاء لا يبدأ عندما تتعلم كيف تعبّر عن مشاعرك.

الشفاء يبدأ عندما تتوقف عن الاعتقاد أن مشاعرك خطر.
وهنا فقط…
لا يتحول التعبير عن المشاعر من صرخة نجاة إلى فعل حب فحسب.
بل يتحول الإنسان نفسه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×