منوعات وفنون

في جنازة القيم… كان الترند حاضرًا … الكاتبة رانيا سامي

انتهى البث المباشر.

أُغلقت الكاميرا، وانطفأت الإضاءة، وعادت الابتسامات المصطنعة إلى وجوهٍ أنهكها التمثيل. عاد كل فرد إلى غرفته، لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان… خصوصية هذا البيت خرجت إلى ملايين الغرباء، ولن تعود أبدًا.

في دقائق معدودة، ارتفعت أعداد المشاهدات، وانهالت التعليقات، وزادت الأرباح، وصفق الجمهور. أما الخسائر، فلم تظهر على الشاشة. لم ير أحد قيمةً سقطت، أو طفلًا تعلَّم أن الحياة تُعرض، أو شابًا بدأ يقتنع بأن الشهرة طريق أقصر من العلم.

وهنا تبدأ الحكاية.

لم يعد الترند مجرد كلمة تتصدر مواقع التواصل، ثم تختفي بعد ساعات، بل أصبح أسلوب حياة عند البعض. ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال: “هل ما أقدمه مفيد؟” بل أصبح: “هل سيحقق انتشارًا؟”

ومن أجل هذا الانتشار، سقطت حدود كثيرة.

أصبحت أسرار البيوت مادةً للنشر، والخلافات الزوجية حلقاتٍ يومية، والمواقف الخاصة وسيلةً لجذب المتابعين، وتحولت الكاميرا عند البعض إلى شاهدٍ على كل ما كان يجب أن يبقى بعيدًا عن أعين الناس.

وللأسف، اعتدنا المشهد.

ما كان يثير صدمتنا قبل سنوات، أصبح اليوم أمرًا عاديًا. بل إن بعضنا ينتظر الحلقة التالية، وكأنه يتابع مسلسلًا، بينما الحقيقة أن ما يُعرض ليس تمثيلًا، بل حياة حقيقية، وأسرة حقيقية، وخصوصية تُفقد إلى الأبد.

لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود هذه الأسر.

هناك شاب يجلس اليوم في غرفته، يتابع كل ذلك.

يرى شخصًا حقق ملايين المشاهدات، وعقودًا إعلانية، وأرباحًا كبيرة، خلال فترة قصيرة. ثم ينظر إلى طالب الطب، الذي يقضي سنوات طويلة بين الكتب والمحاضرات، أو إلى المهندس الذي يبدأ حياته المهنية من الصفر، أو إلى الباحث الذي يستهلك عمره في طلب العلم، فيجد أن الطريق الأول يبدو أسرع، وأسهل، وأكثر إغراءً.

وهنا يتسلل السؤال الأخطر إلى عقله:

لماذا أدرس؟

لماذا أتعب سنوات، بينما يستطيع غيري أن يحقق المال والشهرة في وقت أقل بكثير؟

قد لا ينطق بهذا السؤال، لكنه يبدأ في إعادة ترتيب أولوياته. يصبح الكتاب أقل جاذبية من الشاشة، ويصبح عدد المتابعين أكثر أهمية من عدد الشهادات، ويصبح الظهور هدفًا، بينما يتراجع التفوق إلى الخلف.

وهنا لا نخسر طالبًا واحدًا فقط، بل نخاطر بطريقة تفكير جيل كامل.

فالأوطان لا تُبنى بالصدفة، ولا تنهض بالمشاهدات، ولا تتقدم بالضجيج. إنما تبنيها عقول تعبت، ودرست، وأخطأت، وتعلمت، حتى أصبحت قادرة على خدمة مجتمعها.

وليس المقصود من هذا الحديث أن كل من نجح عبر وسائل التواصل يقدم محتوى بلا قيمة. على العكس، هناك من استخدم هذه المنصات لنشر العلم، والخبرة، والثقافة، وصنع أثرًا يستحق الاحترام. المشكلة ليست في التكنولوجيا، ولا في التربح المشروع، بل في تحويل القيم، والخصوصية، والعلاقات الإنسانية إلى سلعة تُباع مقابل مزيد من الانتشار.

ورغم ذلك، فإن تحميل المسؤولية لصناع المحتوى وحدهم ليس عدلًا.

لأن الحقيقة التي نهرب منها دائمًا، هي أننا نحن أيضًا شركاء.

نحن من منح المشاهدة، ونحن من صنع الترند، ونحن من رفع بعض النماذج إلى القمة، حتى أصبحت قدوة في نظر كثير من الشباب.

كل مشاهدة ليست مجرد رقم.

كل مشاركة ليست مجرد ضغطة زر.

كل إعجاب قد يكون رسالة غير مباشرة تقول: “استمر… فهذا ما نريد أن نراه.”

ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تغيرت أحلام الشباب؟

الإجابة ليست معقدة.

لأن الشباب لا يتعلمون من الكلمات بقدر ما يتعلمون من النماذج التي ينجحها المجتمع ويحتفي بها.

فإذا كان المجتمع يصفق لصاحب القيمة، سيحلمون أن يكونوا مثله.

وإذا كان يصفق لصاحب الضجيج، فسيسير كثيرون خلف الضجيج.

وهنا تكمن القضية.

لسنا أمام أزمة محتوى فقط، بل أمام أزمة معايير.

أزمة تجعل الشهرة تبدو أهم من الإنجاز، والانتشار أسرع من الاجتهاد، والظهور أغلى من بناء الذات.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يضغط زر المشاهدة:

أي مستقبل نصنع بأيدينا؟

هل نريد جيلًا يحلم بأن يكون طبيبًا، أو مهندسًا، أو باحثًا، أو معلمًا، أم جيلًا يعتقد أن الطريق الأقصر إلى النجاح هو أن يفتح كاميرا، ويبيع كل ما كان يومًا يُسمى خصوصية؟

قد يمنح الترند شهرةً مؤقتة، وقد يملأ الحسابات بالأموال، لكنه لا يستطيع أن يبني إنسانًا، ولا أن يصنع وطنًا.

أما القيم، فإذا سقطت، فلن يكون أول الضحايا من باعوها… بل الأجيال التي ستنشأ وهي تظن أن النجاح يُقاس بعدد المشاهدات، لا بما يتركه الإنسان من علم، وأخلاق، وأثر.

وحينها، لن نستطيع أن نقول إن الترند قتل الخصوصية فقط…

بل سنعترف، متأخرين، أنه قتل القيم.

لنا لقاء آخر
رانيا سامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×