ذهب الجنوب.. فكيف يعود …د/ محمد المهدي

بقلم/ د/ محمد المهدي
شهدت مناطق الصحراء الشرقية والمنافذ الحدودية الجنوبية في الآونة الأخيرة تحركات أمنية مكثفة وحاسمة من قبل القوات المسلحة المصرية. استهدفت هذه الحملات الموسعة ظاهرة “الدهّابة” أو التنقيب العشوائي وغير المشروع عن خام الذهب، وهي الظاهرة التي تنامت بشكل ملحوظ مدفوعة بتسلل عناصر عابرة للحدود وشبكات تهريب غير قانونية، مما هدد الأمن القومي واستنزف ثروات تعدينية تقدر بمليارات الجنيهات كانت تذهب بعيداً عن مظلة الدولة الاقتصادية.
إن حسم القوات المسلحة لملف التنقيب العشوائي في وديان مرسى علم، والشلاتين، وأم الحويطات، وصولاً إلى خط الحدود الجنوبي، يمثل خطوة حتمية لا غنى عنها لبسط سيادة القانون وحماية الاقتصاد الوطني، لا سيما مع خطط الدولة لطرح عشرات المناطق للاستكشاف التعديني المنظم. ولكن، وراء غبار المداهمات ومصادرة طواحين الذهب وسيارات الدفع الرباعي، تبرز حقيقة اجتماعية واقتصادية لا يمكن إغفالها: أن الذهب في وجدان وعروق أبناء قبائل الجنوب ليس مجرد تجارة عابرة، بل هو شريان حياة توارثوه جيلاً بعد جيل.
المعادلة المفقودة: المقاربة الأمنية لا تكفي وحدها
النجاح الأمني في ضبط الحدود وتطهير الجبال من الشبكات غير الشرعية يظل منقوصاً ما لم يُستكمل برؤية تنموية شاملة تستوعب البُعد الإنساني لأهالي المنطقة. إن أبناء قبائل العبابدة والبشارية وغيرهم من سكان الجنوب يمتلكون معرفة جغرافية وخبرة فطرية ببطون الجبال ومواضع عروق الكوارتز لا تملكها أحدث أجهزة الاستشعار. ومن هنا، يصبح من الضروري تحويل هذه الخبرة العشوائية إلى طاقة إنتاجية منظمة تخدم الدولة والمجتمع المحلي معاً.
إن المطلب الملحّ اليوم، والذي نضعه أمام صانع القرار، هو صياغة استراتيجية قومية لدمج أبناء القبائل في منظومة التعدين الرسمية. لا يجب أن ينظر الشاب الجنوبي إلى شركات التعدين الكبرى أو شركات الدولة كـ “مُقصٍ” له من أرضه، بل يجب أن يرى فيها شريكاً ومستوعباً لطموحاته.
خريطة طريق للدمج والتعليم الفني
لتحقيق هذا الاندماج المستدام، نقترح التحرك عبر مسارين متوازيين:
أولاً: مأسسة التعدين الأهلي: التوسع في تجربة شركة “شلاتين للثروة المعدنية” من خلال منح تراخيص ومساحات امتياز صغيرة ومقننة لمجموعات أو شركات محلية يؤسسها شباب القبائل، بحيث يتم تسليم الذهب المستخرج للبنك المركزي المصري بأسعار عادلة، مما يضمن دمج الاقتصاد الموازي في نظام الدولة الضريبي والمالي. ثانياً: الاستثمار في البشر عبر “مدارس التعدين”: نطالب وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، بالتنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية، بإنشاء مدارس فنية متخصصة في تكنولوجيا التعدين واستخراج المعادن في قلب مدن الجنوب (مثل شلاتين، وأسوان، ومرسى علم). إلحاق أبناء القبائل بهذه المدارس سينقلهم من مربع “المنقّب التقليدي المخالف” إلى مربع “الفني والمهندس المؤهل علمياً” للعمل في منجم السكري وغيره من المشروعات القومية العملاقة وفق معايير السلامة والبيئة الدولية



