منوعات وفنون

مجتمع يتآكل بصمت… بقلم هدوى محمود

لم يعد الخبر المؤلم استثناءً في يومياتنا، بل أصبح مشهدًا متكررًا يفرض نفسه على الوعي العام: حوادث عنف أسري، جرائم بدوافع آنية، حالات انتحار لشباب في مقتبل العمر، ونزاعات تنتهي بمآسٍ كان يمكن احتواؤها بكلمة أو موقف حكيم.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل تغير المجتمع أم تغيرت نفوسنا؟
لم تكن الأزمات يومًا غائبة عن حياتنا، فالتاريخ الإنساني حافل بالتحديات والصراعات؛ غير أن ما نشهده اليوم يحمل طابعًا مختلفًا: سرعة في الغضب، قسوة في الأحكام، وتراجعًا ملحوظًا في ثقافة الحوار. أصبح الخلاف يُدار بالصوت المرتفع بدل العقل، وبالقطيعة بدل التفاهم.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع هذه الظواهر، لكنها كشفت حجمها وسرّعت انتشارها. تحولت المآسي أحيانًا إلى مادة للتداول السريع، وفقد الخبر إنسانيته تحت ضغط السبق والمشاهدة، وبين ضجيج التعليقات وتباين الآراء يضيع جوهر القضية: الإنسان.
لا يمكن إغفال الضغوط الاقتصادية والنفسية التي يواجهها الأفراد، ولا إنكار تأثير التحولات الاجتماعية المتسارعة، لكن تلك العوامل — على قسوتها — لا تبرر غياب الرحمة أو تآكل القيم. فالمجتمعات تُقاس بقدرتها على التماسك في أوقات الشدة، لا في أوقات الرخاء.
نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم الاحتواء والحوار داخل الأسرة أولًا، ثم في المدرسة، ثم في المجال العام. وفي حاجة إلى إعلام مسؤول يسلط الضوء على الحلول بقدر ما ينقل الوقائع، وإلى خطاب يعالج الجذور بدل الاكتفاء بوصف النتائج.
إن المجتمع لا ينهار فجأة، بل يتآكل تدريجيًا حين يصبح العنف أمرًا عاديًا، وحين يتراجع التعاطف، وحين تُستبدل الحكمة بالاندفاع.
ربما لم نفقد الرحمة تمامًا، لكنها بحاجة إلى استعادة حضورها في سلوكنا اليومي، وفي خطابنا وفي مؤسساتنا؛
فبغير الرحمة يفقد الإنسان إنسانيته وبغير الوعي يفقد المجتمع توازنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×