اِبْنِي لَيْسَ مَرِيضًا… بَلْ مُحَارِبٌ .. بقلم مارينا ايليا

فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، قَدْ تَنْقَلِبُ حَيَاةُ أَيِّ أُمٍّ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ؛
كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ طَبِيبٍ، أَوْ نَتِيجَةُ تَحْلِيلٍ مُفَاجِئَةٌ، قَدْ تَضَعُهَا أَمَامَ وَاقِعٍ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لَهُ:
“اِبْنُكِ مُصَابٌ بِدَاءِ السُّكَّرِيِّ”.
لَكِنْ قَبْلَ هَذِهِ العِبَارَةِ، كَانَ هُنَاكَ يَوْمٌ لَا يُنْسَى…
يَوْمٌ تَأَرْجَحَ فِيهِ القَلْبُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ.
بِدَايَةُ الحِكَايَةِ… عَلَى حَافَّةِ الخَطَرِ
فِي الرَّابِعِ مِنْ سِبْتَمْبَرَ عَامَ 2020،
قَضَيْتُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَةً كَامِلَةً أَتَنَقَّلُ بِابْنِي بَيْنَ المُسْتَشْفَيَاتِ،
أَحْمِلُهُ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ، وَحَالَتُهُ تَتَدَهْوَرُ،
وَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ تَشْخِيصَ مَا يُعَانِيهِ.
كَانَتْ كُلُّ دَقِيقَةٍ مُثْقَلَةً بِالخَوْفِ،
وَكُلُّ نَظْرَةٍ إِلَيْهِ تُمَزِّقُ القَلْبَ،
وَكُنْتُ عَاجِزَةً أَمَامَ أَلَمِهِ، لَا أَمْلِكُ سِوَى القَلَقِ وَالِانْتِظَارِ.
وَسَطَ هَذَا التِّيهِ، اِنْفَتَحَ طَرِيقٌ لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ.
ظَهَرَ سَائِقُ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ عَابِرِ سَبِيلٍ،
بَلْ كَانَ سَبَبًا حَاسِمًا فِي تَغْيِيرِ مَسَارِ الأَحْدَاثِ.
أَرْشَدَنَا إِلَى طَبِيبٍ بِعَيْنِهِ،
وَخِلَالَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، وُضِعَ التَّشْخِيصُ، وَبَدَأَتْ مَلَامِحُ الحَقِيقَةِ تَتَكَشَّفُ.
وَمِنْ هُنَا، اِنْطَلَقْنَا مُسْرِعِينَ إِلَى مَعْهَدِ السُّكَّرِيِّ.
أَبُو الرِّيشِ… مَعْرَكَةُ إِنْقَاذٍ
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَسِرَّةٌ شَاغِرَةٌ،
وَكَانَتْ جَمِيعُ غُرَفِ الرِّعَايَةِ مُكْتَظَّةً.
لَكِنَّ العِنَايَةَ الإِلَهِيَّةَ سَبَقَتْ كُلَّ حِسَابٍ.
تَمَّ التَّوَاصُلُ مَعَ مُسْتَشْفَى أَبُو الرِّيشِ،
وَاسْتُقْبِلَ اِبْنِي عَلَى الفَوْرِ.
طِفْلٌ صَغِيرٌ،
نِسْبَةُ السُّكَّرِ فِي دَمِهِ بَلَغَتْ 700،
وَنِسْبَةُ الأُكْسُجِينِ لَا تَتَجَاوَزُ 17%…
أَرْقَامٌ كَفِيلَةٌ بِإِثَارَةِ الرُّعْبِ فِي أَيِّ قَلْبٍ.
وَرَغْمَ ذَلِكَ، تَهَيَّأَتْ لَهُ غُرْفَةٌ خَاصَّةٌ،
وَأَحَاطَ بِهِ فَرِيقٌ طِبِّيٌّ كَامِلٌ، يَعْمَلُ بِكُلِّ طَاقَتِهِ لِإِنْقَاذِهِ.
وَفِي خِضَمِّ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ، بَدَا الأَمْرُ لِلْبَعْضِ كَأَنَّهُ عِنَايَةٌ اِسْتِثْنَائِيَّةٌ،
لَكِنَّ الحَقِيقَةَ كَانَتْ أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ:
رِعَايَةٌ خَفِيَّةٌ، وَرَحْمَةٌ تُحِيطُ بِنَا مِنْ حَيْثُ لَا نَرَى.
بِدَايَةُ الطَّرِيقِ… لَا نِهَايَتُهُ
خَرَجَ اِبْنِي مِنَ المُسْتَشْفَى سَالِمًا،
لَكِنَّ تِلْكَ لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ الحِكَايَةِ،
بَلْ كَانَتْ بِدَايَةَ رِحْلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
رِحْلَةٌ تَتَطَلَّبُ مُتَابَعَةً دَائِمَةً،
وَحِسَابَاتٍ دَقِيقَةً،
وَقَرَارَاتٍ سَرِيعَةً،
وَأَحْيَانًا قَلَقًا يَتَسَلَّلُ بِلَا اِسْتِئْذَانٍ.
وَمَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، تَكَشَّفَتْ دُرُوسٌ لَمْ تَكُنْ فِي الحُسْبَانِ:
لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تَكُونِي مِثَالِيَّةً، بَلْ أَنْ تُوَاصِلِي المُحَاوَلَةَ كُلَّ يَوْمٍ.
اِخْتِلَالُ الأَرْقَامِ لَيْسَ فَشَلًا، بَلْ جُزْءٌ طَبِيعِيٌّ مِنَ المَسَارِ.
القُوَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَعْنِي غِيَابَ الخَوْفِ، بَلِ الِاسْتِمْرَارَ رَغْمَ حُضُورِهِ.
الإِرْهَاقُ النَّفْسِيُّ أَمْرٌ وَارِدٌ، لَكِنَّ تَجَاهُلَهُ يُفَاقِمُهُ، وَطَلَبُ الدَّعْمِ ضَرُورَةٌ.
وَأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ:
أَنْ تَمْنَحِي نَفْسَكِ مِنَ الرَّحْمَةِ بِقَدْرِ مَا تَمْنَحِينَ طِفْلَكِ.
الرِّحْلَةُ مُسْتَمِرَّةٌ… وَالقُوَّةُ تُصْنَعُ
تَتَبَدَّلُ الأَيَّامُ بَيْنَ قُوَّةٍ وَضَعْفٍ،
لَكِنَّنَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَتَعَثَّرُ فِيهَا، نَجِدُ مَا يُعِيدُ إِلَيْنَا التَّوَازُنَ.
الإِيمَانُ هُنَا لَيْسَ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً،
بَلْ طَاقَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تُعِيدُ تَشْكِيلَ القُدْرَةِ عَلَى الصُّمُودِ،
وَنُورٌ خَفِيٌّ يُبَدِّدُ عَتْمَةَ الطَّرِيقِ، مَهْمَا اشْتَدَّتْ صُعُوبَتُهُ.
مُسْتَقْبَلُ طِفْلٍ مُحَارِبٍ
قَدْ تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ بِالخَوْفِ،
لَكِنَّهَا لَا تَنْتَهِي بِهِ.
الأَطْفَالُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ مِثْلَ هَذِهِ التَّجَارِبِ،
يَتَعَلَّمُونَ مُبَكِّرًا مَعْنَى المَسْؤُولِيَّةِ وَالِانْضِبَاطِ،
وَيَكْتَسِبُونَ صَلَابَةً لَا تُنَالُ بِسُهُولَةٍ.
يَنْشَؤُونَ مُخْتَلِفِينَ…
لَا أَضْعَفَ، بَلْ أَكْثَرَ وَعْيًا وَنُضْجًا وَقُوَّةً.
مُسْتَقْبَلُهُمْ لَا تُحَدِّدُهُ الإِصَابَةُ،
بَلْ قَدْ تَكُونُ دَافِعًا لِصِنَاعَةِ شَخْصِيَّةٍ اِسْتِثْنَائِيَّةٍ،
قَادِرَةٍ عَلَى مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ بِثَبَاتٍ.
قَدْ يَكُونُ الطَّرِيقُ أَشَقَّ،
لَكِنَّ نِهَايَتَهُ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ إِشْرَاقًا مِمَّا نَتَخَيَّلُ.
فِي الخِتَامِ…
دَاءُ السُّكَّرِيِّ لَيْسَ نِهَايَةَ الحِكَايَةِ،
وَلَا حُكْمًا عَلَى حَيَاةِ طِفْلٍ أَوْ أُمٍّ.
إِنَّهَا رِحْلَةٌ مُخْتَلِفَةٌ،
مَلِيئَةٌ بِالتَّحَدِّيَاتِ،
لَكِنَّهَا أَيْضًا مِيدَانٌ تُصْنَعُ فِيهِ القُوَّةُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
وَكُلُّ أُمٍّ تَخُوضُ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ،
عَلَيْهَا أَنْ تُدْرِكَ أَنَّهَا أَقْوَى مِمَّا تَظُنُّ،
وَأَنَّ دَوْرَهَا يَتَجَاوَزُ الرِّعَايَةَ،
إِلَى صِنَاعَةِ حَيَاةٍ تُقَاوِمُ، وَتَسْتَمِرُّ، وَتَنْتَصِرُ.
لَسْنَا مُجَرَّدَ عَابِرِينَ فِي ظُرُوفٍ صَعْبَةٍ،
بَلْ نَحْنُ نَصْنَعُ القُوَّةَ،
وَنُنْشِئُ أَبْطَالًا،
وَنَكْتُبُ فُصُولَ الِانْتِصَارِ… كُلَّ يَوْمٍ.



