تبليك… بدون تعليق …. بقلم رانيا سامي

هل فكرت يومًا أن أقسى أنواع “الحظر” لا يحدث على شاشة هاتف، بل داخل القلب؟
هناك أشخاص لا نحذفهم من قائمة الأصدقاء، بل نحذفهم من قائمة الأمان. لا لأننا أصبحنا نكرههم، ولكن لأننا أدركنا متأخرين أن بعض القلوب لا تعرف سوى الأخذ، وبعض النفوس لا تعيش إلا إذا صنعت من سقوط الآخرين سُلَّمًا تصعد عليه.
فالخذلان ليس موقفًا عابرًا، بل زلزال يهدم مدينة كاملة من الثقة. والإنسان لا يتألم لأن أحدًا أخطأ في حقه، بل لأنه ائتمن من لا يُؤتمن، وأعطى من لا يعرف قيمة العطاء، وصدق من احترف الأقنعة.
ولعل أكثر ما يؤلم أن ترى إنسانًا لا يحاول أن يكون أفضل، بل يحاول أن يجعلك أسوأ. لا يبني نفسه، بل يهدم صورتك. لا ينجح بعمله، بل يفتش عن أخطائك. يمارس التنمر ليشعر بالقوة، ويشوّه سمعتك ليبدو أنقى، وينشر عنك ما ليس فيك ليهرب من مواجهة ما فيه.
وهؤلاء ليسوا خصومًا… بل مرضى بالقلوب.
قال الحكيم: “إذا لم تستطع النفوس أن ترتفع إلى القمم، حاولت أن تُسقط من يقف عليها.”
لهذا، لا تدخل معهم سباقًا، لأنك إن نزلت إلى مستواهم، خسرت نفسك قبل أن تخسرهم.
إن أعظم عقوبة لبعض البشر ليست الرد عليهم، بل غيابك عن ساحة معاركهم.
لقد قيل قديمًا: “إذا نطق السفيه فلا تجبه… فخيرٌ من إجابته السكوت.”
ولم يكن ذلك ضعفًا، بل إدراكًا أن بعض العقول لا يناسبها الحوار، وبعض القلوب لا يصلح معها الود.
عجاف القلوب… لن ينفع معهم ود، ولو زرعت لهم سبع سنين سنابل حب، سيبحثون عن شوكة واحدة ليتحدثوا عنها، وينسون الحقول كلها.
ومن أكثر الدروس قسوة أن تكتشف أن اهتمامك كان في المكان الخطأ.
فالاهتمام لم يكن يومًا ضعفًا، بل كان اختيارًا كريمًا من قلب صادق. لكن عندما يُقابل الإخلاص بالجحود، والوفاء بالخيانة، والاحتواء بالإهانة… يصبح الاستمرار ظلمًا للنفس.
وهنا يولد فنٌّ لا يتقنه إلا من احترق بنار التجارب…
فن التجاهل.
التجاهل ليس تكبرًا، ولا انتقامًا، ولا قسوة.
إنه دواء.
دواء يحفظ ما تبقى من سلامك الداخلي، ويمنع الآخرين من استنزاف روحك كلما أرادوا ذلك.
والعجيب أن قيمة التجاهل عند بعض الناس… تساوي تمامًا قيمة الاهتمام الذي أهديته لهم يومًا.
فالذي لم يعرف قدرك وأنت تمنحه وقتك، لن يعرفه وأنت تمنحه تفسيرًا.
ولهذا…
ليس كل درس في الحياة يُشرح بالكلمات.
بعض الدروس نتعلمها من وجع الاهتمام.
نتعلم أن المسافات أحيانًا رحمة، وأن الصمت أحيانًا رسالة، وأن الغياب أحيانًا أبلغ من ألف عتاب.
ومفيش حد بيتقن التجاهل…
إلا بعد ما أتقن الاهتمام… زيادة عن اللزوم.
لذلك، لا تشعر بالذنب إذا أغلقت بابًا ظللت سنوات تحاول إصلاحه.
فليس كل باب يُطرق يستحق أن يُفتح، وليس كل إنسان يستحق مكانًا دائمًا في حياتك.
وأحيانًا…
يكون أرقى رد، وأقوى قرار، وأعظم انتصار…
تبليك… بدون تعليق
لنا لقاء آخر
رانيا سامي



