الثمن الخفي للدراسات العليا ….د. مي عبدالنبي

هناك أشياء لا تُكتب في الرسائل العلمية، ولا تظهر في يوم المناقشة، ولا تُذكر في السيرة الذاتية للباحث.
لا أحد يرى عدد المرات التي جلس فيها أمام شاشة الحاسوب عاجزًا عن كتابة سطر، ولا يعرف كم مرة راوده الشك في فكرته، أو في قدرته، أو حتى في اختياره لهذا الطريق.
لا أحد يرى المناسبات التي اعتذر عنها، واللقاءات التي فوّتها، والأيام التي كان فيها حاضرًا بجسده فقط، بينما كان عقله مشغولًا برسالة لم تكتمل.
هذه هي الحياة الخفية للدراسات العليا؛ حياة قد تبدو هادئة من الخارج، بينما يعيش صاحبها في الداخل رحلة كاملة من الصبر والقلق والأمل.
حين تضيق الحياة من أجل حلم
مع الوقت، تتغير تفاصيل كثيرة.
تقل الزيارات والخروجات، تضيق الدائرة الاجتماعية، وتتأجل أشياء كان من الطبيعي أن تكون جزءًا من الحياة اليومية.
ليس لأن الباحث لم يعد يحب أهله وأصدقاءه، وإنما لأن طاقته لا تعود تكفي لكل شيء.
فالدراسات العليا لا تستهلك الوقت فقط، بل تستهلك جزءًا كبيرًا من التركيز والطاقة الذهنية والنفسية.
وقد يصبح حتى قرار بسيط مثل الخروج مع الأصدقاء محل تفكير:
هل أنجزت ما عليّ؟
هل أستطيع أن أبتعد عن الرسالة اليوم؟
هل سأشعر بالذنب إذا أخذت وقتًا لنفسي؟
وهكذا، قد تتحول الحياة تدريجيًا إلى مجموعة من الأشياء المؤجلة.
حين تفوّت أفراح من تحب
ومن أكثر ما يؤلم الباحث أنه قد لا يستطيع مشاركة من يحبهم بعض لحظاتهم المهمة.
قد يعتذر عن مناسبة عائلية، أو يتغيب عن احتفال لصديق، أو يحضر وهو غير قادر على الاستمتاع الكامل باللحظة.
يضحك، يبارك، يلتقط صورة، لكن جزءًا من تفكيره يظل عالقًا في فصل لم ينتهِ، أو تعديل ينتظره، أو موعد يقترب.
وقد يُفهم هذا الغياب أحيانًا على أنه تجاهل أو تغير.
بينما الحقيقة أبسط من ذلك:
هو لا يبتعد عن من يحب، وإنما يحاول أن يصل إلى ما حلم به.
الباحث لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الضغط
الباحث الذي أمضى سنوات في طريقه لا يحتاج دائمًا إلى من يذكّره بأن عليه أن يبذل جهدًا أكبر.
هو يعرف ذلك جيدًا.
ما يحتاجه أحيانًا هو شخص داعم، كلمة تمنحه بعض الطمأنينة، وصوت يذكره بأنه قادر على الوصول.
قد تكون جملة بسيطة مثل:
“أنا على يقين أنك ستصل بإذن الله.”
أو:
“كل هذا التعب سيأتي يومًا وتراه في صورة إنجاز.”
أو:
“استمر… أنت أقرب مما تظن.”
قد تبدو كلمات عابرة، لكنها في لحظة شك قد تكون فارقة.
فالكلمة الإيجابية لا تغيّر مسار البحث، لكنها قد تغيّر حالة الباحث وهو يسير فيه.
قد تعيده إلى مكتبه، تمنحه الثقة ليبدأ من جديد، أو تساعده على إكمال خطوة كان يؤجلها.
وفي رحلة طويلة كهذه، قد لا يحتاج الإنسان إلى من يحمل عنه الطريق، بقدر ما يحتاج إلى من يذكّره بأنه قادر على إكماله.
ما لا نراه خلف الشهادة
عندما نرى باحثًا يوم مناقشته، نرى النتيجة.
نرى الرسالة، والصور، والتهاني، والابتسامة.
لكننا لا نرى السنوات التي سبقت تلك اللحظة.
لا نرى الصفحات التي حُذفت، والتعديلات المتكررة، والقلق، والانتظار، والمناسبات التي فاتت، والمرات التي تساءل فيها الباحث إن كان سيتمكن من الوصول.
نحن نرى لحظة النجاح، بينما النجاح في الحقيقة هو آخر فصل في قصة طويلة.
رحلة تستحق أن تُعاش
ومع ذلك، ربما ليس من العدل أن نختصر الدراسات العليا في الضغط والوحدة والتعب.
فبين كل تلك اللحظات الصعبة، هناك شيء آخر يحدث.
الباحث يتغير.
يتعلم الصبر، ويكتشف قدرته على الاستمرار، ويتعلم أن يبدأ من جديد بعد الإخفاق، وأن يتعامل مع النقد، وأن يدافع عن فكرته، وأن يثق بنفسه أكثر مما كان يفعل في البداية.
وفي الطريق، قد يكتشف أشياء عن نفسه لم يكن يعرفها.
قد يكتشف أنه أقوى مما ظن، وأنه قادر على تجاوز مراحل كان يعتقد في بدايتها أنه لن يستطيع إكمالها.
ولهذا، عندما يصل الباحث إلى النهاية، لا تكون فرحته مرتبطة بالدرجة العلمية وحدها.
إنها فرحة الطريق كله.
فرحة كل صفحة كتبها.
كل تعديل أعاده.
كل لحظة شك تجاوزها.
كل مرة أراد أن يتوقف ثم اختار أن يكمل.
وكل شخص قال له في لحظة احتياج:
“أنا مؤمن أنك ستصل.”
عندها ينظر الباحث إلى الرحلة من بعيد، فيكتشف أن الطريق، رغم صعوبته، لم يكن مجرد سنوات من الدراسة.
كان رحلة شكّلت شخصيته، ووسّعت معرفته، واختبرت صبره، وعلّمته أن الوصول لا يكون دائمًا سهلًا، لكنه يصبح أكثر جمالًا عندما نعرف كم بذلنا من أجله.
وربما أجمل ما في النهاية أن يقول الباحث لنفسه:
لقد كانت رحلة طويلة… فيها تعب، ووحدة، وقلق، وأمل، ونجاحات صغيرة لم يرها أحد.
لكنني عشتها، وتعلمت منها، ووصلت.
وعندها فقط، يصبح كل ما مرّ به جزءًا من حكاية جميلة…
حكاية حلم بدأ بفكرة، ومرّ بطريق طويل، وانتهى بلحظة أدرك فيها الباحث أن لذة الوصول في النهاية كانت تستحق كل هذا الطريق.



