الحاجة إلى الآخر.. فلسفة الأخذ والعطاء … بقلم كيرلس اسعد

الحاجة هي المحرك الأساسي للسلوك؛ فالدافع وراء معظم سلوكياتنا هو محاولة سد عجز أو قصور داخلي، أو السعي إلى إشباع حاجة ما. لكن إشباع حاجة لا يعني الوصول إلى حالة الاكتفاء النهائي، بل غالبًا ما يكشف لنا عن حاجات أخرى، أعلى من حيث القيمة وأكثر تعقيدًا، وأصعب من حيث طرق إشباعها.
الحاجة هي لغة التوافق بين الجسد والروح داخلنا، وهي أيضًا لغة التواصل مع عناصر الحياة من حولنا. إنها نغمات تعزف على أوتار العلاقات البناءة، وتدفعنا باستمرار نحو التفاعل والتكامل مع العالم المحيط بنا.
ومن هنا فان الحاجة إلى الآخر،فهي من أسمى المشاعر الإنسانية ؛ان لم تكن الأسمى. فهي شعور نبيل يدفعني ويدفعك نحو الآخر، ويمنحنا القدرة على تقبّل الأخذ منه، مثلما نمنحه ما لدينا.
إنها وسيلة للتفاعل بين البشر، تسعى إلى تنظيم تشعباتنا الإنسانية، وتحقيق المزيد من التعاون والاندماج بين أبناء الجسد الواحد.
وكثيرًا ما نظن أن الضعف الكامن في احتياجنا إلى الآخرين أمرٌ يدعو إلى الخجل أو العار، لكن الحقيقة أن هذا ليس ضعفًا، بل هو نوع من الليونة والمرونة التي نحتاج إليها لتحقيق الانسجام مع الآخر.
إنها تشبه المرونة التي تمتلكها راقصة الباليه، وهي تتفاعل مع مداعبات الموسيقى لها؛ فلا تقاوم إيقاعها، بل تتناغم معه، دون أن تفقد هويتها أو خصوصيتها.
إن الأصل في إشباع احتياجاتنا الإنسانية هو الأخذ والعطاء؛ فالعلاقة السليمة لا تقوم على طرف يمنح باستمرار وآخر يأخذ باستمرار، وإنما تقوم على التبادل والتوازن.
وانحراف هذا التوازن يؤدي بالضرورة إلى اختلال العلاقات الإنسانية.
ومن صور هذا الانحراف الاعتقاد بأن على الكل أن يحيا من أجل الواحد، أو أن على الواحد أن يحيا من أجل الكل. فكلا التصورين يخلّ بالتوازن الطبيعي للعلاقات؛ لأن العلاقة الصحية لا تلغي الفرد لصالح الجماعة، ولا تجعل الفرد محورًا تدور حوله الجماعة.
فامنحوا تلك الحاجات مزيدًا من الحرية لكي يُعبَّر عنها، ومزيدًا من الاحترام لكي تُفهم وتُقدَّر.
فكلما أُتيحت للإنسان مساحة آمنة للتعبير عن احتياجاته، زادت فرص التفاعل والتعاون والتكامل بين أبناء المجتمع، وهو ما يؤدي في النهاية إلى رقيه ورفعته.
أما كبت هذه الاحتياجات وإنكارها، فيحوّل المجتمع تدريجيًا إلى بيئة منفّرة للحياة، طاردة للمشاعر الإنسانية، وربما كارهة لها.
فالعلاقات هي أصل بناء المجتمعات، وإذا أردت أن تهدم مجتمعًا، فاجعل كل فرد فيه يحيا لنفسه، مكتفيًا بذاته، غير محتاج إلى غيره في ظنه.
إن ترابط البشر واحتياج بعضهم إلى بعض ليس عبئًا على الحياة، بل هو أحد أسرار استمرارها. فالخيط المثلوث لا ينقطع .
البحر الميت يرتبط بمحيطين، لكنه لا يأخذ منهما شيئًا، فتظل مياهه راكدة، وتنعدم فيه مظاهر الحياة .
وهكذا العلاقات الإنسانية؛ فالاتصال وحده لا يكفي، والقرب وحده لا يصنع علاقة حقيقية. إنما الحياة في التبادل، والأخذ والعطاء، والتأثر والتأثير.
فنحن لا نحتاج إلى الآخر لأننا عاجزون عن الحياة بدونه ، بل لأن الحياة نفسها تكتسب معناها من خلاله.



