منوعات وفنون

التحرر من الانتظار – من منظور نفسي .. د. سوزان البارودي

يقال إنّ الانتظار الطويل ليس مجرّد حالة عاطفية،بل هو شكل من أشكال الارتباط غير الآمن—
حيث تُعلِّق روحك استقرارها على استجابةٍ قد تأتي… أو لا تأتي.
تعيش في تلك المنطقة الرمادية،
تراقب الفراغ وتترقب ما قد يملؤه أحدهم،
موقن بأن شيئًا خارجيًا سيعيد توازنك الداخلي.
لكن مع الوقت، ستبدأ في إدراك
أن الإنسان حين يطيل الانتظار،فهو في الحقيقة يحاول أن يتجنب مواجهة ذاته.
يحتمي بالأمل بدل أن يواجه الحاجة الحقيقية:
أن يُعيد بناء داخله بنفسه.
وهكذا، لن يكون الأمر متعلقًا بمن سيأتي،
بل بما تستطيع فعله مع هذا الفراغ.
لن تكون في موقع الترقب،
بل في موقع إعادة التشكيل.
بدأتُ تتعرف على احتياجاتك،
على صمتك، على حزنك،
على تلك المناطق التي كنت تخشى النظر إليها.
التحوّل لا يحدث دفعة واحدة، بل بتغيّر السلوك أولًا،ثم تغيير الإدراك تدريجيًا.
وهذا ما سحدث:
لن تُصغي لأفكارك القديمة،
ذلك الصوت الذي يُخبرك بأنك لن تكتمل إلا بوجود أحدهم.
بل ستكتشف أن الاكتمال عملية داخلية،
لا يمنحها أحدٌ، ولا يسلبها أحد.
التحوّل يبدأ عندما ننتبه
عندما تتوقف عن انتظار المزيد،
سترى نفسك بوضوحٍ لم تعهده.
(نقل مركز الضبط من الخارج إلى الداخل).
أي أن القوة التي كانت معلّقة في يد الآخر،
عادت إلى يدك.
تغيّرت طريقة تعاملك مع الفقد،
ومع الاحتياج، ومع العلاقات.
لم تعد تتعلق بما لا يتحرك نحوك،
ولم تعد تفسّر صمت الآخرين على أنه حكمٌ على قيمتك.
بل أصبحت ترى:
أن الصمت.. أحيانًا ليس رسالة،
بل مساحة لتسمع نفسك بهدوء.
ستعلم أن الوعي هو شرط أساسي للسلام الداخلي.
وأن الأمان الحقيقي لا يمنحه شخص،
بل تمنحه معرفة النفس،ومصالحتها،
وحملها برفق في كل لحظة تهتز فيها.
ومن هنا… يبدأ الفعل
لن تبحث عن من يُكمل حكايتك،
بل ستكتبها بنفسك.
بخطوطٍ واثقة،بإيقاعٍ أهدأ،وبقلبٍ يُدرك أن الانتظار لا يصنع حياة، بل الفعل الداخلي هو الذي يصنعها.
حينها ستصبح أكثر مرونة،وتسمح للأشياء أن تتغير،وللناس أن يبتعدوا،وللمخاوف أن تمرّ دون أن تُحطمك.
هذا هو التعافي الحقيقي:
أن تدرك أن ما تبحث عنه في الخارج،
هو في الأصل جزءٌ مفقودٌ في الداخل
ينتظر فقط أن تضيئه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×