تمكين الصف الثاني: بين الرؤية السياسية والجمود الإداري… د. رانيا وجيه

دكتوره رانيا وجيه اسحاق دكتوراة موارد بشرية في القابضه للمطارات والملاحة الجوية والاكاديمية العسكرية
تشهد الدولة المصرية في السنوات الأخيرة حراكاً غير مسبوق نحو تمكين الشباب وبناء كوادر الصف الثاني، وهو توجه استراتيجي تتبناه القيادة السياسية كركيزة أساسية لبناء المستقبل وضمان استدامة التنمية. ورغم الجهود الكبيرة والمباركة التي تبذلها مؤسسات الدولة التعليمية والتدريبية لتأهيل هذه الكفاءات بمهارات القيادة، والإدارة، وآليات صنع واتخاذ القرار، إلا أننا ما زلنا نصطدم بواقع إداري مرير في بعض قطاعات العمل الحكومي وقطاع الأعمال العام.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في “الفكر التقليدي” لبعض مديري وصناع القرار في تلك الجهات. فللأسف الشديد، يواجه شباب الخريجين والكوادر المؤهلة ظاهرة “التهميش الإداري”؛ حيث يميل بعض المسؤولين—إلا من رحم ربي—إلى احتكار السلطة ومركزية القرار، بدلاً من فتح الأبواب أمام الطاقات الشابة لتبدع وتتحمل المسؤولية. هذا السلوك لا يقتصر ضرره على إحباط الكفاءات ودفن قدراتهم، بل يمتد ليعطل عجلة التطوير المؤسسي داخل الدولة.
إن بناء “قادة المستقبل” لا يتحقق داخل قاعات التدريب فحسب، بل يكتمل بممارسة القيادة على أرض الواقع. والمهارات المتقدمة التي تكتسبها الكوادر الشابة—مثل التفكير الاستراتيجي وإدارة الأزمات—تظل حبراً على ورق ما لم تمنح المؤسسات هؤلاء الشباب “المساحة الآمنة للخطأ والتعلم”. إن تخوف بعض القيادات الحالية من تمكين الصف الثاني يعكس ضعفاً في الفهم الإداري؛ فالقائد الحقيقي هو من يصنع قادة خلفاً له، وليس من يحاول الحفاظ على كرسيه بإقصاء الكفاءات المحيطة به.
وللانتقال من مرحلة “التأهيل” إلى مرحلة “التمكين الفعلي”، نحتاج إلى ثورة في الفكر الإداري تترجم توجه الدولة إلى سياسات ملزمة. أولاً، يجب ربط تقييم أداء القيادات العليا بمدى نجاحهم في إعداد وتصعيد صف ثانٍ مؤهل، ليكون تفويض السلطة معياراً للترقي. ثانياً، من الضروري حوكمة آليات التعيين والتصعيد في المناصب القيادية داخل قطاع الأعمال والجهاز الإداري، لتعتمد كلياً على الجدارة والتقييمات الرقمية ومخرجات البرامج التدريبية المعتمدة، بعيداً عن الأهواء الشخصية وشبكات العلاقات.
ختاماً، إن الكوادر الشابة المؤهلة هي الثروة الحقيقية التي تراهن عليها الدولة في جمهوريتها الجديدة. وحرمان هذه العقول من فرصتها الكاملة هو هدر لطاقات وطنية نحن في أمس الحاجة إليها. لقد حان الوقت لتدرك القيادات التقليدية أن تمكين الصف الثاني ليس رفاهية أو منحة، بل هو واجب وطني واستحقاق تفرضه رؤية مصر المستقبلية. لنفتح الأبواب لشبابنا، ولنجعل من مؤسساتنا بيئة حاضنة للإبداع والقيادة، فالغد لا ينتظر المترددين.



