سياسة واقتصاد

«السعودية ومصر وتركيا وباكستان.. مساران لا يصنعان معسكرين»… المستشار مصطفى القرشي

قراءة في اتفاقية الدفاع المشترك والآلية الرباعية: حين تتكامل المصالح ولا تتعارض المسارات

في زمن تتسارع فيه الأحداث الإقليمية، وتنتشر المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل اكتمال الصورة الرسمية، تصبح قراءة الوقائع كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون، مسؤولية إعلامية ووطنية.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى العلاقات التي تجمع السعودية ومصر وتركيا وباكستان بعيدًا عن التفسيرات المتعجلة، أو محاولات وضع هذه الدول في خانات متقابلة، أو تصوير كل مسار من مسارات التعاون وكأنه موجه ضد مسار آخر.


فالمشهد، عند قراءته بهدوء، يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: نحن أمام شبكة متنامية من العلاقات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والأمنية والدفاعية، تتقاطع في بعض الملفات، وتختلف في أخرى، لكنها في جوهرها تقوم على المصالح المشتركة، وتعزيز الاستقرار، وتوسيع مساحات التعاون.
والأهم أن اختلاف المسارات لا يعني اختلاف العلاقات، وتعدد الشراكات لا يعني بالضرورة قيام محاور متصارعة.
اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. مسار دفاعي بدأ من شراكة سعودية باكستانية لفهم اتفاقية مكة للدفاع المشترك، لا بد من العودة إلى أصل المسار.


ففي 17 سبتمبر 2025 وقّعت السعودية وباكستان «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك»، خلال زيارة رئيس الوزراء الباكستاني إلى الرياض. ونصت الاتفاقية على اعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدوانًا على كلتيهما، في إطار تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك. (Saudi Press Agency⁠ )
ولم تكن تلك الاتفاقية وليدة لحظة سياسية عابرة؛ بل جاءت امتدادًا لعلاقات سعودية باكستانية تاريخية، وتعاون دفاعي وأمني يمتد لعقود.
ثم جاء 7 أغسطس 2026 ليشهد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة نقلت هذا التعاون إلى إطار ثلاثي أكثر اتساعًا. (Reuters⁠ )
وبحسب التصريحات التركية، يتضمن المسار الجديد آليات للتنسيق السياسي والعسكري، واجتماعات دورية، وتعاونًا في التدريبات والمجالات الدفاعية والتقنيات المتقدمة والصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا، مع التأكيد على أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية وليست موجهة ضد دولة بعينها. (Reuters⁠ )
وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية:
اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية ليست هي الآلية التشاورية الرباعية.
فالخلط بين المسارين هو أحد أهم أسباب بعض القراءات غير الدقيقة التي ظهرت في الأيام الأخيرة.
مصر ليست خارج الصورة.. بل في قلب المسار الرباعي
السعودية ومصر وتركيا وباكستان ليست أربع دول التقت صدفة في مناسبة عابرة.
فهناك آلية تشاورية رباعية R4 تجمع وزراء خارجية الدول الأربع، وقد عقدت اجتماعها الرابع في القاهرة في 21 يونيو 2026، بمشاركة وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان.
وأكد البيان المشترك للاجتماع أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعمًا للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع. (EBS Public Now⁠ )
وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة المشهد:
مصر ليست دولة تقف على هامش الترتيبات الإقليمية بين هذه الدول الأربع، وإنما هي عضو أصيل في الآلية التشاورية الرباعية.
كما أن استضافة القاهرة للاجتماع الرابع ليست مجرد تفصيل بروتوكولي، بل تعكس موقع مصر داخل هذا المسار التشاوري.
وفي المقابل، فإن الحديث عن إمكانية انضمام مصر مستقبلًا إلى اتفاقية الدفاع الثلاثية يجب أن يبقى في إطاره الصحيح: هناك تصريحات تركية تحدثت عن إمكانية توسع الاتفاقية وانضمام دول أخرى، ومن بينها مصر، لكن ذلك لا يعني أن مصر أصبحت طرفًا في الاتفاقية، ولا يصح التعامل مع أي تفاصيل فنية أو سياسية مستقبلية باعتبارها قرارًا نافذًا قبل الإعلان الرسمي عنه. (Reuters⁠ )
وهنا تظهر أهمية التفريق بين:
ما تم توقيعه، وما هو قائم، وما هو مطروح، وما هو مجرد تحليل أو توقع.
فلماذا لقاء العلمين مهم؟
في هذا السياق تحديدًا، يصبح من الخطأ التعامل مع الصورة التي جمعت وزراء خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، ومصر الدكتور بدر عبد العاطي، وتركيا هاكان فيدان في مدينة العلمين، باعتبارها مجرد صورة عابرة.
فاللقاء يأتي في سياق اتصالات سياسية متواصلة بين ثلاث دول تشترك مع باكستان في الآلية الرباعية R4، وبعد أسابيع من اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع في القاهرة.
وقد تناول اللقاء، وفق ما أُعلن، مستجدات الأوضاع في المنطقة، بما يؤكد استمرار قنوات التشاور والتواصل بشأن الملفات الإقليمية.
والصورة هنا ليست دليلًا على اتفاق دفاعي جديد، وليست دليلًا على استبعاد طرف رابع.
بل يمكن قراءتها ببساطة باعتبارها تعبيرًا عن استمرار التواصل السياسي بين دول تجمعها علاقات ومصالح واسعة.
ومن الخطأ أن تتحول الصورة إلى مادة للشائعات.
الصورة تُقرأ في سياقها، والبيان يُقرأ كاملًا، والعلاقات تُقرأ عبر تراكمها لا عبر لقطة واحدة.
أربع دول.. أربعة أدوار.. ومصالح متقاطعة
قوة هذه المجموعة لا تأتي فقط من توقيع اتفاقية دفاعية أو عقد اجتماع وزاري.
بل من اختلاف قدرات الدول الأربع وتنوع أدوارها.
السعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا واستثماريًا وجيوسياسيًا كبيرًا، وموقعًا محوريًا في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب تنامي قدراتها في مجالات التقنية والصناعة والدفاع.
ومصر تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا وسكانيًا وجغرافيًا، وموقعًا استراتيجيًا يصل بين البحرين الأحمر والمتوسط، ويمتد تأثيره إلى الدوائر العربية والأفريقية، فضلًا عن دورها التاريخي في إدارة أزمات المنطقة.
أما تركيا فتجمع بين موقع جغرافي استثنائي وقدرات صناعية ودفاعية متقدمة، إضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي واتصالها بمساحات جيوسياسية متعددة.
وباكستان تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وثقلًا استراتيجيًا في جنوب آسيا، وتجربة طويلة في المجال الدفاعي، إضافة إلى كونها دولة تمتلك قدرات نووية.
لكن من المهم هنا ألا تتحول الإشارة إلى القدرات النووية الباكستانية إلى استنتاجات غير معلنة حول طبيعة اتفاقية مكة.
فالقدرة النووية لدولة ما لا تعني تلقائيًا أن أي اتفاق دفاعي توقعه يتضمن نقلًا أو مشاركة أو مظلة نووية.
وهذه واحدة من النقاط التي يجب التعامل معها بحذر شديد، خصوصًا في زمن تنتشر فيه الاستنتاجات قبل الحقائق.
إن اختلاف قدرات الدول الأربع لا يجعلها متعارضة، بل يمكن أن يجعل التكامل بينها أكثر أهمية.
الأمن اليوم أوسع من البعد العسكري
من الأخطاء الشائعة اختزال التعاون الإقليمي في الجانب العسكري وحده.
فالأمن في عالم اليوم يتجاوز السلاح إلى الاقتصاد والاستثمار والطاقة والغذاء والتقنية وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية، ويمتد إلى أمن الملاحة والبحر الأحمر ومكافحة الإرهاب وإدارة الأزمات.
ولهذا يمكن لأي تعاون متقدم بين السعودية وتركيا وباكستان، أو بين الدول الأربع مجتمعة، أن يفتح مجالات واسعة للتعاون الاقتصادي والتقني والصناعي.
لكن القاعدة المهنية تظل واضحة:
ما لم يُعلن رسميًا لا ينبغي تقديمه باعتباره اتفاقًا قائمًا.
فليس كل ما يُتداول عن مشاريع عسكرية أو نووية أو استثمارات ضخمة قد أصبح اتفاقًا نافذًا، وليس كل ما يطرح في غرف التفاوض يتحول بالضرورة إلى قرار.
نقرأ ما أُعلن، ونحلل ما تسمح به المعطيات، ونترك ما لم يُعلن لأصحابه.
السعودية ومصر وتركيا وباكستان.. لا حاجة إلى «معسكر جديد»
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في قراءة المشهد كله.
فوزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحدث عن ترتيبات أمنية إقليمية تقوم على بناء الثقة والتضامن، وليس بالضرورة على إنشاء معسكرات جديدة أو تقسيم المنطقة.
كما أن اتفاقية مكة نفسها قُدمت من الجانب التركي والباكستاني باعتبارها اتفاقية دفاعية لا تستهدف دولة بعينها، ولا تهدف إلى إلغاء التحالفات أو الترتيبات القائمة. (Reuters⁠ )
وهذه الرؤية مهمة لفهم الصورة.
فالمعادلة ليست:
السعودية وتركيا وباكستان في جهة، ومصر في جهة أخرى.
بل الأقرب إلى الواقع المعلن هو:
السعودية ومصر وتركيا وباكستان في مسار تشاوري رباعي، مع وجود مسار دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان.
ووجود المسارين لا يعني تناقضهما.
بل يمكن أن يكون أحدهما مكملًا للآخر، مع احتفاظ كل دولة باستقلال قرارها وسياساتها الخارجية والدفاعية.
لماذا الإشاعات خطرة؟
لأن العلاقات الدولية لا تُدار بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
تغيير كلمة في بيان، أو اجتزاء تصريح، أو تفسير صورة خارج سياقها، أو نقل معلومة غير مكتملة، قد يصنع رواية كاملة لا علاقة لها بالواقع.
والأخطر حين تتحول القراءة السياسية إلى محاولة لإثبات وجود خلاف بين دول تربطها مصالح استراتيجية عميقة.
لذلك فإن التعامل مع المعلومات الرسمية يجب أن يسبق أي تحليل أو استنتاج.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تتمثل فقط في نفي الشائعة بعد انتشارها، وإنما أيضًا في عدم منحها عمرًا إضافيًا بإعادة إنتاجها دون تحقق.
السعودية ومصر.. علاقة أكبر من أن تختصرها شائعة
العلاقات السعودية المصرية ليست وليدة اتفاقية أو لقاء واحد.
إنها علاقة تاريخية عميقة، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والاستثمار والأمن والمصالح الشعبية، وتجاوزت على مدى عقود كثيرًا من التحولات الإقليمية.
ولهذا فإن محاولة تفسير لقاء سعودي تركي مصري على أنه رسالة ضد طرف رابع، أو تفسير اتفاق سعودي تركي باكستاني على أنه رسالة ضد مصر، هي قراءة تقوم على منطق الاستقطاب أكثر مما تقوم على قراءة العلاقات الدولية.
فالدول لا تتحرك دائمًا بمنطق:
إما هذا أو ذاك.
بل يمكن أن تتحرك بمنطق:
هذا وذاك معًا.
وهذه هي طبيعة السياسة الواقعية في عالم تتعدد فيه الشراكات وتتشابك فيه المصالح.
الآلية الرباعية.. فرصة لا ينبغي إهدارها
الآلية التشاورية بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان يمكن، إذا استمر تطويرها، أن تتحول إلى منصة مهمة للحوار السياسي والأمني والاقتصادي.
وقد أكد اجتماع القاهرة الرابع أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، في إطار دعم السلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع. (EBS Public Now⁠ )
والأهم أن تتحول هذه الآلية تدريجيًا من مجرد تشاور سياسي إلى تعاون عملي في الملفات التي تتوافق عليها الدول الأربع، بما يحفظ استقلال القرار الوطني لكل دولة، ويستفيد في الوقت نفسه من نقاط القوة المشتركة.
وهذا لا يعني بالضرورة إنشاء حلف عسكري رباعي.
بل يعني بناء مساحة سياسية واقتصادية وأمنية تستطيع الدول الأربع من خلالها:
أن تنسق عندما تتفق، وأن تختلف باحترام عندما تختلف، وأن تتعاون حيث تتقاطع مصالحها.
وهذه في حد ذاتها قوة.
الخلاصة.. اجمعوا الصورة كاملة
القراءة المتوازنة للمشهد تقود إلى نتيجة واضحة:
اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مسار، والآلية التشاورية الرباعية التي تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان مسار آخر؛ وكلاهما يمكن أن يتكاملا دون أن يلغي أحدهما الآخر.
والحديث عن مصر باعتبارها «خارج الصورة» لا يستند إلى الواقع المعلن؛ فمصر عضو أصيل في الآلية الرباعية، واستضافت اجتماعها الرابع في القاهرة، وشارك وزير خارجيتها إلى جانب نظرائه في السعودية وتركيا وباكستان. (Saudi Gazette⁠ )
وفي المقابل، فإن الحديث عن انضمام مصر إلى اتفاقية الدفاع الثلاثية يجب أن يبقى في إطار الإمكانية التي تحدث عنها مسؤولون أتراك، لا باعتباره قرارًا تم اتخاذه أو اتفاقًا تم توقيعه.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحديث عن تفاصيل لم تعلنها الحكومات، سواء في المجال النووي أو الصناعات العسكرية أو الاستثمارات الكبرى.
في العلاقات الدولية، هناك فرق كبير بين:
ما نعرفه، وما نستنتجه، وما نتوقعه، وما نتمنى حدوثه.
والخلط بينها هو أحد أبواب الشائعة.
لذلك فإن أفضل قراءة للمشهد اليوم هي قراءة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتضع الوقائع في سياقها الكامل.
السعودية ومصر وتركيا وباكستان ليست بحاجة إلى روايات تُفرّق بينها؛ فالواقع المعلن يقول إن قنوات الاتصال قائمة، والآلية الرباعية موجودة، والمصالح المشتركة واسعة، والتحديات الإقليمية أكبر من أن تُدار بمنطق الاستقطاب.
إن قوة هذه الدول الأربع ليست في أن تتطابق مواقفها في كل شيء، وإنما في قدرتها على إدارة اختلافاتها، وتعظيم مصالحها المشتركة، وتحويل ثقلها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي إلى عامل استقرار في المنطقة.
وفي زمن كثرت فيه محاولات تفسير الصور والبيانات خارج سياقها، ربما تكون الرسالة الأهم:
لا تجعلوا الشائعة أقوى من الحقيقة، ولا التحليل المجتزأ أقوى من البيان الرسمي، ولا الاختلاف في المسارات دليلًا على اختلاف العلاقات.
فما يجمع السعودية ومصر وتركيا وباكستان أكبر من أن تفرقه قراءة متعجلة، وأعمق من أن يُختزل في منشور عابر.
الجمع هو القراءة الأصح.. والتكامل هو جوهر المرحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×