سياسة واقتصاد

دبلوماسية الاتزان الأمني: حين تزن مصر الخطوة بين حماية التراب وحكمة القرار

بقلم د ولاء عابد

في لحظات التحول التاريخي الكبرى لا تقاس رزانة الدول فقط بما تملكه من أدوات القوة بل بالمقدرة على إدارة تلك القوة بحكمة تزن القرار بميزان ذهبي فلا انجراف غير محسوب تحت ضغط الاستفزاز ولا تهاون في حماية المقدرات تحت شعار السلام.

تطل الساحة الإقليمية والدولية اليوم على مشهد بالغ الدقة والتعقيد فالشرق الأوسط يموج بصراعات متصادمة ومتداخلة تفرض على المنطقة واقعا أمنيا شائكا يتجاوز مفاهيم الصراع التقليدية.

وفي قلب هذا المحيط المشتعل تقف مصر بثوابتها التاريخية وموقعها الاستراتيجي تمارس أدوارها بعقيدة راسخة ومفهوم عميق لـ “الاتزان الأمني” حيث تلتقي الحكمة الدبلوماسية بالجاهزية اليقظة لردع أي تجاوز للخطوط الحمراء.

إن المتابع للخطاب المؤسسي والتحركات الدبلوماسية المصرية في هذه المرحلة يلمس بوضوح استراتيجية الدولة في التعامل مع الملفات الساخنة فهي عقلانية تسعى للاستقرار وتمسك دائما بدعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية ورفض الفوضى وعسكرة الممرات المائية الحيوية والبحث المستمر عن مسارات التهدئة والحلول السلمية العادلة التي تحفظ حق الشعوب في الأمان والسيادة.

وفي ذات الوقت تدرك مصر تماما أن السلام الحقيقي لا يحميه إلا وعي يقظ وقوة قادرة.

لذا تظل الرسالة الموجهة للجميع واضحة وجلية إن ضبط النفس لا يعني العجز وأن حماية الحدود والأمن القومي والحقوق التاريخية هي أمانة استراتيجية لا تقبل المساومة أو فرض الأمر الواقع لاسيما وأن رؤية مصر لأمنها القومي لا تقف عند حدودها الجغرافية فحسب بل تمتد لتشمل الأمن القومي العربي والخليجي كدائرة متكاملة إيمانا بأن استقرار المنطقة جزء لا يتجزأ من استقرار الوطن.

إن القراءة الواعية لهذه التطورات تؤكد أن مصر لا تساق بنشوة الشعارات السريعة ولا باستثارة الأزمات المفتعلة بل تتحرك بوعي دولة تمتلك إرثا حضاريا ورصيدا من الحكمة السياسية يمكنها من إدارة أزماتها بثقة وثبات.

ويبقى الرهان الحقيقي في هذه المرحلة على “وعي الشارع” فالجبهة الداخلية المتماسكة والمدركة لطبيعة التحديات والاستحقاقات الاستراتيجية هي الحصن الأول والركيزة الأساسية التي تستند إليها الدولة وهي تخوض معركة الحفاظ على الثوابت وسط هذا الإقليم المتلاطم.

وعلى هذا الطريق تثبت الدولة المصرية يوما بعد يوم أن قوة الدول لا تقاس بصخب الشعارات بل بصلابة المواقف وحكمة العقل الرشيد.

إنها معادلة صعبة لكنها محتمة سلام يحفظ الدماء ودرع يحرس الحدود ووعي جماعي يعبر بالأوطان إلى بر الأمان مهما اشتدت أمواج الإقليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
×